دور العرف في تحديد حمى الملك

17 نوفمبر، 2025

 

حريم الأعيان (حمى الأملاك) وأثر العرف في الفصل في النزاعات المتعلقة بها

يمثل مفهوم الحمى أو ما يطلق عليه قانوناً [حريم الأعيان] أحد أهم الضوابط القانونية التي تحمي مرافق الأملاك وحقوق الانتفاع المتصلة به، وخاصة في المناطق الريفية والزراعية حيث تتداخل الملكيات وتتقاطع منافع الأراضي والأملاك.

وقد أولى القانون المدني عناية خاصة للحمى الملاصق للأملاك بوصفه نطاقًا طبيعيًا وضروريًا لانتفاع المالك بملكه، ويمنع بذلك أي أعمال إحياء أو تحجير أو أي مزاعم من هذا القبيل قد تضر بالأصل أو تعطل الانتفاع المشروع به.

أولًا: ماهية حرم الملك وأساسه القانوني

تشير المادة (1178)  من القانون المدني أن الإحياء في حريم العين والبئر والمسيل والشجر والدار لا يجوز إلا لمالك تلك الأعيان، باعتبار أن الحمى جزءٌ مكمّل لها، ولا ينفصل عن حق الانتفاع الأصلي.

فالمشرع القانوني منع أي شخص من إحياء الأرض الملاصقة لعينٍ لها حريم، لما قد يترتب على ذلك من الإضرار بمصدر المياه، أو الحد من المسيل، أو عرقلة استعمال الدار أو المزرعة.

كما تؤكد المادة (1245)  مدني على أن للبيوت والبلد والآبار والأشجار حرمة خاصة تمتد إلى المرافق الضرورية لها،  ومن ذلك:

  • حمى البلد: مداخلها ومخارجها ومرعاها ومحتطبها.
  • حمى الدار: ما ترتفق به الأسرة في إقامتها.
  • حمى البئر: ما يسع واردها للشرب والسقـي ومرافقها المعتادة.
  • حمى الشجرة: ما تحتاج إليه لسقيها وانتشار جذورها وفروعها.

وتشير المادة بوضوح إلى أن إحداث أي شيء داخل الحمى بما يضر بالأصل يوجب حماية قانونية.

ثانيًا: العرف كمصدر مُكمل لتحديد حدود الحمى

على الرغم من أن القانون وضع المبادئ الأساسية لحماية الحمى، إلا أنه لم يحدد مقاييس جامدة لمساحته أو امتداده. ولهذا جعل الفقه والقانون العرف عنصرًا جوهريًا لتحديد نطاق الحمى بحسب طبيعة كل عين وظروف استعمالها.

وتنص المادة (1245) صراحة على أن: “وتراعى الأعراف في كل ما تقدم.
وهذا الإحالة التشريعية إلى العرف تعني أن:

  • العرف مكمّل للنص إذا كان النص عامًا أو سكت عن التفصيل.
  • العرف مقدَّم على الاجتهاد في تقدير ما يلزم للعين من مساحة واستعمال.
  • سلطة القضاء تعتمد العرف المحلي عند الفصل في النزاعات حول الاعتداء على الحمى أو تضييقه.

ثالثًا: تطبيقات عملية لنزاعات الحمى

تظهر النزاعات المتعلقة بحريم الأعيان غالبًا في الحالات الآتية:

  1. زراعة أو بناء في محيط بئر بما يعيق وارد الماء أو يضر بالجريان.
  2. الاعتداء على مسيل طبيعي بإنشاء حواجز أو تحويل مسارات المياه.
  3. غرس أشجار ملاصقة لمزرعة أخرى بما يسبب ضررًا في الظل أو الجذور أو سقي الأشجار الأصلية.
  4. إحياء أراضٍ ملاصقة لدار أو مزرعة بما يمنع الانتفاع الطبيعي بصاحب العين.

وفي جميع تلك الحالات تعتمد المحاكم على مزيج من:

  • النصوص القانونية الملزمة،
  • الخبرة الفنية (الزراعية والهندسية)،
  • والعرف السائد في المنطقة لتحديد ما إذا كان الفعل يعد اعتداءً على الحمى.

رابعًا: أهمية حماية الحمى في استقرار الملكيات الزراعية

إن ضبط حدود الحريم وحماية مرافق الأعيان يؤدي إلى:

  • منع النزاعات بين الجيران.
  • حماية الموارد الطبيعية وخاصة المياه.
  • ضمان الانتفاع السليم بالأراضي الزراعية.
  • الحفاظ على الأعراف المستقرة التي تمثل خبرات تراكمية للمجتمع.

ولهذا جاء القانون منسجمًا مع الفقه والعرف، معتبرًا الحمى حقًا لازمًا لصاحب العين لا يسقط إلا برضاه أو زوال المصلحة منه.

 

وخلاصة ذلك

أن حريم الأعيان أو حمى الأملاك أحد أهم موضوعات العقارات والملكية في البيئة الزراعية، وهو نطاق حمايته القانون على نحو صارم منعًا للإضرار بالعين أو بمرافقها. وقد منح المشرع العرف دورًا تكميليًا أساسيًا في تحديد حدود الحمى وفهم طبيعتها، وهو ما يجعل القاضي في هذه النزاعات يعتمد دائمًا على الجمع بين النص القانوني والعرف المحلي والخبرة الفنية.

 

Leave a Comment