الدفوع القانونية المتعلقة بالشهادة: دراسة تحليلية شاملة

15 نوفمبر، 2025

تُعد الشهادة إحدى أهم وسائل الإثبات في القضايا المدنية والجنائية، ولذلك أولاها المشرّع عناية خاصة من حيث شروط قبولها ووزنها القانوني. ومن ثمّ تظهر أهمية الدفوع المتعلقة بالشهادة، سواء كانت دفوعًا شكلية تمسّ شروط الشاهد القانونية، أو دفوعًا موضوعية تطعن في مضمون الشهادة وقيمتها في الإثبات.
يهدف هذا المقال إلى بيان أبرز الدفوع المرتبطة بالشهادة وصياغتها بصورة دقيقة وواضحة تساعد الممارسين القانونيين والقضاة والباحثين.

أولاً: الدفوع الشكلية المتعلقة بالشهادة

تتعلق هذه الدفوع بمدى توافر الشروط القانونية في الشاهد، وبصحة إجراءات الشهادة قبل الخوض في مضمونها. ويترتب على قبول أي دفع شكلي استبعاد الشهادة أو عدم التعويل عليها.

1. الدفع بعدم أهلية الشاهد

يتمسك الخصم بأن الشاهد غير مؤهل للإدلاء بالشهادة قانونًا.

حالات الدفع:

  • صغر سن الشاهد وعدم بلوغه السن القانونية.
  • فقدان الأهلية العقلية أو وجود عارض يفقده التمييز.
  • وجود مانع قانوني كصلة القرابة المانعة في بعض التشريعات.

أثر الدفع:

استبعاد الشهادة وعدم الاعتداد بها لعدم توافر شرط من شروط الأهلية.

2. الدفع بعدم توافر الشروط القانونية في الشاهد

يتعلق بغياب أحد الشروط التي يوجبها القانون لقبول الشاهد.

أبرز الحالات:

  • عدم قدرة الشاهد على التعبير عن الواقعة.
  • وجود سوابق أو موانع قانونية تؤثر على أهلية الشهادة.

الأثر:

يتعين على المحكمة التحقق من الشرط قبل سماع الشهادة أو اعتمادها.

3. الدفع بعدم حياد الشاهد

يمسّ نزاهة الشاهد وتجرده.

متى يثار الدفع؟

  • وجود مصلحة مباشرة أو شخصية للشاهد في نتيجة القضاء.
  • وجود خصومة سابقة أو عداوة ظاهرة مع أحد الخصوم.

الأثر:

يؤدي الدفع إلى استبعاد الشاهد أو إلى الانتقاص من قوة شهادته.

4. الدفع بعدم قدرة الشاهد على الإدراك والمعاينة

يختص بمدى تمكن الشاهد من مشاهدة أو سماع الواقعة.

حالات الدفع:

  • غياب الشاهد عن مكان الواقعة.
  • وجود عائق مادي يمنعه من الرؤية أو السماع.
  • ضعف حسي مؤثر (البصر، السمع).

الأثر:

تُعد الشهادة غير منتجة لعدم إمكانية اعتمادها كمصدر دقيق للوقائع.


ثانيًا: الدفوع الموضوعية المتعلقة بالشهادة

الدفوع الموضوعية لا تتعلق بصفة الشاهد بل بـ محتوى شهادته وقيمتها الإثباتية.
وهي دفوع جوهرية قد تؤدي إلى إسقاط القوة القانونية للشهادة أو إضعافها.

1. الدفع بتناقض الشهادة مع الثابت بالأوراق

يدفع الخصم بأن الشهادة تخالف مستندات رسمية أو أدلة قطعية.

أمثلة:

  • شهادة تخالف عقدًا مكتوبًا.
  • شهادة لا تتفق مع تقرير خبير أو محرر رسمي.

الأثر:

تغليب الدليل الكتابي على الشهادة عند التعارض.

2. الدفع بتناقض الشاهد مع نفسه

تتعلق بتغيير الشاهد لأقواله أو تضاربها.

حالات الدفع:

  • اختلاف أقوال الشاهد بين التحقيق والمحاكمة.
  • تناقضات جوهرية داخل الشهادة الواحدة.

3. الدفع بتناقض أقوال الشهود مع بعضهم

يتمسك الخصم بوجود تباينات جوهرية بين شهادات عدة شهود حول واقعة واحدة.

الأثر:

تضعف القوة الترجيحية للشهادة، وقد تدفع المحكمة لعدم الاعتماد عليها.

4. الدفع بكيدية الشهادة أو تحامل الشاهد

يطعن الخصم بأن الشهادة صادرة بنية الإضرار أو الانتقام.

الأساس القانوني:

قيام العداوة أو الخصومة القائمة بين الشاهد والخصم.

5. الدفع بأن الشهادة سماعية وغير مبنية على رؤية أو سمع مباشر

يشير هذا الدفع إلى أن الشاهد ينقل ما سمعه من الغير وليس ما أدركه بنفسه.

أثر الدفع:

تسقط الشهادة لكونها “قولاً على قول” لا تعوّل عليه المحكمة.

6. الدفع بجهالة الواقعة أو غموض الشهادة

يثار عندما تكون الشهادة عامة أو غير محددة.

الحالات:

  • عدم تحديد الزمان أو المكان.
  • غياب التفاصيل الجوهرية للواقعة.

7. الدفع بعدم معقولية الشهادة

يطعن الخصم بأن مضمون الشهادة غير منطقي أو يستحيل عقلًا أو عادة.

الأمثلة:

  • ادعاء رؤية شخص في مكان بعيد لا يمكن الوصول إليه بالنظر المجرد.
  • سرد أحداث غير ممكنة الوقوع في الزمن المذكور.

8. الدفع بأن الشاهد أدلى بآراء أو استنتاجات شخصية

تقتصر الشهادة على الإدلاء بالوقائع لا بالرأي الشخصي.

متى يثار الدفع؟

  • عندما يحوّل الشاهد شهادته إلى تحليل أو تفسير.

9. الدفع بأن الشهادة غير منتجة في الدعوى

يدفع الخصم بأن الشهادة لا تؤثر في موضوع النزاع.

الأمثلة:

  • شهادة تتعلق بوقائع جانبية لا علاقة لها بموضوع الدعوى.

10. الدفع بكذب الشاهد

هو أقوى الدفوع الموضوعية، ويُبنى على:

  • وجود دليل يناقض ما قرره الشاهد.
  • ثبوت تعمّد الشاهد الإدلاء بوقائع غير صحيحة.

ثالثًا: الأثر القانوني للدفوع المتعلقة بالشهادة

يختلف أثر الدفع باختلاف طبيعته:

1. الدفوع الشكلية:

تؤدي غالبًا إلى استبعاد الشهادة وعدم الاعتماد عليها.

2. الدفوع الموضوعية:

تؤثر في وزن الشهادة وترجيحها، وقد تدفع المحكمة إلى إهدارها كليًا عند ثبوت التناقض أو عدم المصداقية.

إن الدفوع المتعلقة بالشهادة تُعد من أكثر الدفوع استخدامًا في المحاكم، نظرًا لأهمية الشهادة كوسيلة رئيسية للإثبات. وعلى المحامي أن يكون ملمًا بجميع أنواع الدفوع الشكلية والموضوعية، وأن يقدمها في الوقت المناسب وبصورة قانونية دقيقة.
ولما للشهادة من أثر مباشر على الحكم، فإن حسن إدارة هذه الدفوع قد يغيّر مسار القضية برمتها.

Leave a Comment